الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
247
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ولا هو نظير قوله المتقدم كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ غافر : 63 ] . وقوله : ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ تكملة القيل الذي يقال لهم حين إذ الإغلال في أعناقهم . والإشارة إلى ما هم فيه من العذاب . و ( ما ) في الموضعين مصدرية ، أي ذلكم مسبب على فرحكم ومرحكم اللذين كانا لكم في الدنيا ، والأرض : مطلقة على الدنيا . والفرح : المسرة ورضى الإنسان على أحواله ، فهو انفعال نفساني . والمرح ما يظهر على الفارح من الحركات في مشيه ونظره ومعاملته مع الناس وكلامه وتكبره فهو هيئة ظاهرية . و بِغَيْرِ الْحَقِّ يتنازعه كل من تَفْرَحُونَ و تَمْرَحُونَ أي تفرحون بما يسركم من الباطل وتزدهون بالباطل فمن آثار فرحهم بالباطل تطاولهم على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن المرح بالباطل استهزاؤهم بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين ، قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكهين [ المطففين : 30 ، 31 ] . فالفرح كلما جاء منهيا عنه في القرآن فالمراد به هذا الصنف منه ، كقوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ القصص : 76 ] لا كلّ فرح ، فإن اللّه امتنّ على المؤمنين بالفرح في قوله : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ [ الروم : 4 ، 5 ] . وبين تَفْرَحُونَ و تَمْرَحُونَ الجناس المحرّف . وجملة ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ يجوز أن تكون استئنافا بيانيا لأنهم لما سمعوا التقريع والتوبيخ وأيقنوا بانتفاء الشفيع ترقبوا ما ذا سيؤمر به في حقهم فقيل لهم ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ ، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من جملة ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ إلخ ، فإن مدلول اسم الإشارة العذاب المشاهد لهم وهو يشتمل على إدخالهم أبواب جهنم والخلود فيها . ودخول الأبواب كناية عن الكون في جهنم لأن الأبواب إنما جعلت ليسلك منها إلى البيت ونحوه . و خالِدِينَ حال مقدرة ، أي مقدرا خلودكم . وفرع عليه فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ، والمخصوص بالذم محذوف لأنه يدل عليه ذكر جهنم أي فبئس مثوى المتكبرين جهنم ، ولم يتصل فعل ( بئس ) بتاء التأنيث لأن فاعله في الظاهر هو مَثْوَى لأن العبرة بإسناد فعل الذم والمدح إلى الاسم المذكور بعدهما ،